أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

37

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

جعله « أنّ » اللام صفة لخير أقوى من جعلها متعلقة بأؤنبئكم إذ لا معنى له . وقوله : « في الظروف وحروف الجر أنها عند الحذّاق إنما ترفع الفاعل إذا كانت صفات » وقوله : « وكذلك إذا كنّ أحوالا » فيه قصور ؛ لأنّ هذا الحكم مستقر لها في مواضع ، منها الموضعان اللذان ذكرهما . ثالثهما : أن يقعا صلة . رابعها : أن يقعا خبرا لمبتدأ . خامسها : أن يعتمدا على نفي . سادسها : أن يعتمدا على استفهام ، وقد تقدّم تحرير هذا ، وإنّما أعدته لبعد عهده . قوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه في محل نصب على الحال من « جَنَّاتٌ » لأنه في الأصل صفة لها ، فلمّا قدّم نصب حالا . الثاني : أنه متعلّق بما تعلّق به « لِلَّذِينَ » من الاستقرار إذا جعلناه خبرا أو رافعا لجنات بالفاعلية ، أمّا إذا علّقته ب « خير » أو ب « أَ أُنَبِّئُكُمْ » فلا ، لعدم تضمّنه الاستقرار . الثالث : أن يكون معمولا لتجري ، وهذا لا يساعد عليه المعنى . الرابع : أنه متعلّق بخير ، كما تعلّق به « لِلَّذِينَ » على قول تقدّم . ويضعف أن يكون الكلام قد تمّ عند قوله « لِلَّذِينَ اتَّقَوْا » ثم يبتدأ بقوله : « عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ » على الابتداء والخبر ، وتكون الجملة مبنية ومفسرة للخيرية كما تقدّم في غيرها . وقرأ يعقوب « جنات » بكسر التاء ، وفيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بدل من لفظ « خير » فتكون مجرورة ، وهي بيان له كما تقدم . والثاني : أنها بدل من محل « بِخَيْرٍ » ومحلّه النصب ، وهو في المعنى كالأول . الثالث : أنه منصوب بإضمار أعني . وهو نظير الوجه الصائر إلى رفعه على خبر ابتداء مضمر . قوله : تَجْرِي صفة لجنات ، فهو في محلّ رفع أو نصب أو جر على حسب القراءتين والتخاريج فيهما . و « مِنْ تَحْتِهَا » متعلّق بتجري ، وجوّز فيه أبو البقاء أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من الأنهار قال : « أي : تجري الأنهار كائنة تحتها » ، وهذا يشبه تهيئة العامل للعمل في شيء وقطعه عنه . قوله : خالِدِينَ حال مقدّرة ، وصاحبها الضمير المستكنّ في « لِلَّذِينَ » والعامل فيهما حينئذ الاستقرار المقدّر وقال أبو البقاء : « إن شئت من الهاء في « تَحْتِهَا » . وهذا الذي ذكره إنما يتمشّى على مذهب الكوفيين ، وذلك أنّ جعلها حالا من « ها » في « تَحْتِهَا » يؤدّي إلى جريان الصفة على غير من هي له في المعنى ، لأن الخلود من أوصاف الداخلين في الجنة لا من أوصاف الجنة ، ولذلك جمع هذه الحال جمع العقلاء ، فكان ينبغي أن يؤتى بضمير مرفوع بارز ، هو الذي كان مستترا في الصفة ، نحو : « زيد هند ضاربها هو » ، والكوفيون يقولون : إن أمن اللّبس كهذا لم يجب بروز الضمير ، وإلا يجب ، والبصريون لا يفرّقون ، وتقدّم البحث في ذلك . قوله : وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ من رفع « جَنَّاتٌ » كما هو المشهور كان عطف « أَزْواجٌ » و « رِضْوانٌ » سهلا . ومن كسر التاء فيجب حينئذ على قراءته أن يكون مرفوعا على أنه مبتدأ خبره مضمر ، تقديره : ولهم أزواج ولهم رضوان ،